x
قصتنا اليوم للحلوين: صانع الأعاجيب | أخبار موقع العرب

قصتنا اليوم للحلوين: صانع الأعاجيب

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة (تصوير: Thinkstock)
نشر: 2017-05-18 07:34:55

قالت شهرزاد :في ليلة شديدة الحر، عاد الخليفة هارون الرشيد إلى قصره مهموما محزونا، وانتصف الليل ولم يظفر بالنوم. فنادى مسروراً، خادمه الأمين، وأمره أن يستدعي وزيره جعفرا لعلّه يعينه على السهر، ويزيل ما به من الضجر بما يقصه عليه من الطرائف.


صورة توضيحيّة

ذات صلة:

حضر جعفر وطلب إليه الخليفة أن يحدثه بما عنده من المليح والأعاجيب. فأخبره جعفر أنه سمع لتوّه قصة عجيبة من رجل زاره مع الأصمعي اسمه بدر الدين حسن ،وأنه يرغب في أن يسمع الخليفة القصة أيضا، وطلب الإذن للرجلين بالمثول في حضرته.

فأمره الخليفة بالإسراع في إحضار ضيفيه. ولما حضرا قال بدر الدين: إن قصتي يا أمير المؤمنين تكاد لا تصدّق لفرط غرابتها، ويتوهم من يسمعها أنها من نسج الخيال، ولكن الشخصين اللذين أسمهما فيها لا يزالان يعيشان اليوم في دار السلام (بغداد). فقد أسدى إلي هذان الرجلان سعيد وسعد  معروفا لا أنساه مدى الحياة، ولولاهما لقضيت العمر بائساً فقيراً .

تشوقٌ الخليفة لسماع القصة، وطلب إليه أن يبدأ بروايته، فقال بدر الدين:

يعيش في دار السلام في عهدك السعيد يا أمير المؤمنين صديقان حميمان، اسم أحدهما سعيد، واسم الآخرسعد، كانا متفقين في كل الأمور، ولم يفترقا في حلّ أو ترحال، فدعاهما الناس بالشقيقين. وكلاهما صافي النفس، عاقل، ثري، وكان سعيد الأغنى. كان ” سعيد ” يرى أن المال وحده هو مصدر السعادة كلها، وأنه وسيلة النجاح في الحياة، وليس للسعادة والنجاح طريق غيره، حتى أحسن صاحبه استثماره وتعهده. فإذا حرم الإنسان المال ولم يتيسّر له مهما يبلغ به العقل والحظ أن يرتقي إلى مرتبة الأغنياء مهما يبذل من جهد وعناء.

وكان  سعد  يوافق سعيدا في رأيه في قيمة المال وأثره في النجاح متى تعهده وأشرف على تثميره وتنميته. ولكنه لم ير أن هذا وحده هو كل شيء في الحياة.

وكان رأي سعد، يا أمير المؤمنين، أن المال والعقل لا يكفيان وحدهما للنجاح إذا خذلهما الحظ. فكل واحدة من المال والعقل والحظ لازمة للنجاح. فقد يجلب الحظ لصاحبه المال الوافر، فلا تلبث الحماقة أن تضيّعه، ولطالما جلب العقل المال ثم بدّده نحس الطالع، وسوء البخت وما يجرّانه من مفاجئات لا حيلة لأحد في دفعها.

وتناقشا مراراً في هذا الأمر. وأخيرا استقر رأي سعيد على أن يقنع صاحبه بصدق ما يقول بطريقة عملية تضع حدا لهذه المناقشات العقيمة، وذلك بأن يمنح عاملاً فقيراً مقدارا من المال ليهيئ له سبيل الغنى، فإذا أخفقت التجربة ترك لسعد الفرصة ليختار ما يراه من الخطط لاختيار رأيه.

وبعد أيام، مرّ سعد وسعيد بالحي الفقير الذي أقطنه، فرأياني دائبا على العمل في فتل الحبال، هذه المهنة التي ورثتها عن أبي وتعلمتها منه، كما ورثها أبي عن جدي وتعلمها منه. فكانت هذه كفيلة بتلبية حاجاتي الأساسية الضرورية للحياة الكريمة.

أقبلا عليّ، وسألني سعيد عن مهنتي، وهل عندي ما يكفيني ويكفي أسرتي، وهل أدّخر شيئا من المال. فأجبته باسماً: إني لا أدّخر درهماً واحداً لأيام المرض، لأن ما أكسبه لا يسمح بالادخار. وأسعد أيامي هو اليوم الذي نحصل فيه على ما يكفينا من الخبز اليابس وقليل من الخضر، ومن الثياب ما يقينا غائلة البرد . وأسرتي مؤلفة من زوجة وخمسة أطفال، أكبرهم لا زال غير قادر على مساعدتي في عملي، فأنا أعولهم جميعاً، ولكننا سعداء هانئون بما هيّا الله لنا من رزق حلال يغنينا عن سؤال الناس، وغرس في نفوسنا القناعة التي نجد فيها سعادة عظيمة.

قال سعيد: “إن سرّ سعادتك هو قناعتك. ولكن لو منحتك هذا الكيس بما يحويه من ذهب هدية خالصة لك، أتراك قادرا على الانتفاع بهذه الثروة؟ إن في هذا الكيس مائتي دينار إذا أحسنت استغلالها في توسيع عملك، جلبت لك الثروة والغنى وراحة البال”.

شكرته وقلت له: إن قليلاً من المال يكفي لسد حاجتي وسأنتفع به وأستثمره. سأبني به مصنعاً ناجحاً سيصبح على مرّ الأيام بفضل المثابرة والإتقان والإخلاص في العمل أكبر مصانع البلاد.

أعجبته قناعتي، ولكنه أصر على أن يسلّمني المبلغ كله. ودعا الله أن يبارك لي في هذا المال. وكرر توصيته بأن أحقق ما وعدته به.

فرحت بهذه الهبة السخية، ولم أدر أفي يقظة أنا أم في منام! ودعوت للرجل بطول العمر.

ولم أجد مكاناً أميناً أخبّئ فيه المبلغ، ثم قررت أن أودعه طيّات عمامتي، كما يفعل الفقراء أمثالي. وأخذت عشرة دنانير لأشتري طعام العشاء، وربطت الدنانير الباقية في قطعة من الكتان كنت ألف بها عمامتي

مشيت في طريقي إلى البيت أحمل ما اشتريته من لحم، وبعد خطوات قليلة هجم عليّ بازيٌّ كبير الحجم، يحاول خطف ما في يدي من طعام، فتشبثت بما أحمل، وحلّق البازيّ فوق رأسي، وزلّت قدماي فكدت أسقط، ووقعت عمامتي على الأرض، فأسرع البازي إليها وخطفها وطار بها في الفضاء. صرخت واستغثت، فتجمّع حولي المارة وحاولوا مساعدتي، ولكن البازي استمر في طيرانه، وترك في قلبي حسرة كبيرة.

تبدّدت أحلامي، وانهارت آمالي في الغنى. واشتريت عمامة أخرى وخيطا أفتل منه الحبال. وحرت فيما سأقوله لسعيد إذا ما سألني عما صنعت بماله. وبعد أيام كنت قد أنفقت الدنانير العشرة، وكان الجميع يسخر مني ولا يصدقني إذا سمع قصتي.

بعد ستة أشهر، مرّ سعيد وسعد بالحي الذي أقطنه، وتوقّع سعيد أن يكون حالي قد تغيّر وصرت في حالة من النعيم . فقال سعد لسعيد: إن صاحبك على حاله من الفقر كما تركناه منذ نصف عام. لعلّك تتبيّن أني كنت على صواب حين قررت أن المال ليس كل شيء في الحياة، وأنه ليس الطريق المضمون لبلوغ الثروة. وأقبل علي سعد يسألني: كيف أنت؟ وكيف عجزت الدنانير المائتان عن تغيير حياتك؟

فقصصت عليهما قصة البازي وكيف خطف عمامتي وما بها من ثروة.

لم يقتنع سعيد بما سمع، واتهمني بتبديد المال وبعثرته بلا حساب، فتألمت لأني لم أقنعه بصدق ما أقول. ولكني كنت واثقا بأنه لا يقصد بهذا اللوم الجارح إلا إصلاحي، ولولا ذلك لما فكّر في مساعدتي.

أقبل سعد على صاحبه يحدّثه بما يعرفه من عجائب الطرف عن أخلاق البازيّ حتى زال ما علق بنفسه من الشك. فأخرج سعيد من بين ثيابه كيسا آخر به مائتا دينار، وقدّمه لي راجياً أن أحقق به الثروة بما لي من عقل ومثابرة، وانصرف قبل أن يسمع ثنائي عليه.

حرصت على وضع هذه الثروة في مكان أمين يصونها من الضياع. أسرعت إلى بيتي وأخرجت من الكيس عشرة دنانير ولففت الباقي بقطعة قماش، وبحثت عن مكان أمين أضعها فيه، فلم أجد في بيتي غير إناء قديم من الفخار في ركن حجرتي، فوضعتها في تلك الجرة، وكانت زوجتي حينئذ خارج المنزل، فلم أنتظر عودتها، ولم أتمهّل لأخبرها بما ظفرت به من ثروة طائلة، وخرجت مسرعا لأشتري بعض ما أحتاج إليه.

عادت زوجتي إلى الدار في أثناء غيبتي، ولم تكن تعرف شيئا عن قصتي. ومر بالبيت تاجر جوال من تجار الكحل، فاستدعته زوجتي واشترت منه بعض الكحل، ولم تجد في بيتها درهما تشتري به الكحل، ولم تجد أمامها إلا الجرة القديمة ثمنا لما أخذته منه. ولما عدت إلى البيت نظرت إلى ركن الحجرة، فلم أر أثراً للجرة.

عجزتُ عن الكلام يا أمير المؤمنين، ولمّا أخبرتني زوجتي بقصتها مع بائع الكحل تأكدت من وقوع ما كنت أخشاه.

دهشت زوجتي مما رأته على أسارير وجهي من الجزع وسألتني عمّا روّعني، فلما أخبرتها، اشتد بها الجزع، وبكت نادبة حظها حسرة على ثروة لم تكد تظفر بها حتى أضاعتها.

خفّفت من حزنها إذ خشيت أن تفقد عقلها أو حياتها، وقلت لها: هكذا أراد الله سبحانه وتعالى، وليس أمامنا إلا أن نصبر ونسلّم أمرنا إلى الله. ولعلّه يعوضنا عن هذه الخسارة الفادحة خيرا عميما. وقلت لها: الصبر مفتاح الفرج، ونحن والحمد لله نتمتع بصحة جيدة، ولا ينقصنا شيء من ضرورات الحياة. ولكني مع ذلك كنت أشعر بالارتباك والحيرة كلما تمثلت سعيداً وسعداً قادمين ليسألاني عمّا صنعته بالهبة الثانية، وكيف أضعتها؟

وتخيّلت نفسي أمامهما وقد زاد شكّهما فيّ، فليس من السهل أن يصدّقا أن المصادفة السيئة وحدها كانت السبب في إضاعة الثروة.

طالت غيبة الصديقين عنّي حتى إني فكرت أنهما سافرا إلى غير عودة، وتبينت فيما بعد أن سعيداً تعمّد ذلك ليتيح لي فرصة واسعة لاستثمار المال وتنمية الثروة.

وكان سعد يشعر أن كل محاولة يبذلها صاحبه للنهوض بي من الفقر إلى الغنى لن تكلل بالنجاح. فقد كان يرى أن النجاح لا يتم إلا إذا تهيأت له الوسيلة وصحبه التوفيق، فإذا أعدّ الإنسان للأمر عدته، ونسي أن يستعين بالله على النجاح، عرض له من المفاجئات ما يعوقه عن غايته، وهو أقرب ما يكون إلى بلوغها والظفر بها.

لقد وقع ما تخيّله سعد. فقد كان يحسن الفراسة، ولم يشك أن الله سبحانه قد أعدّ لي من المفاجئات السارة أضعاف ما أعدّه لي من المفاجئات المحزنة، وأن الله لن يبدّل عسري يسرا إلا بعد أن ييأس صاحبه من قدرة المال على إسعادي…. وحققت الأيام صدق فراسته.

وذات صباح، أقبل الصديقان بعد مرور زمن طويل على زيارتهما الثانية. وما كدت أراهما حتى هممت بالفرار منهما. تقدّم سعد منّي وحيّاني، ودهش لأنه وجد حالي كما تركني. نكست رأسي خزياً وخجلا، وقصصت عليهما ما حدث لي في المرة الثانية. وأخبرتهما أن الجرة بقيت كما هي في مكانها من الدار منذ وضعها جدي الأكبر، وورثتها عن أبي، كما ورثها جدي عن أبيه ولم يزحزحها أحد من مكانها. فما بال زوجتي لم يخطر لها أن تستبدل بتلك الجرة شيئا من بائع الكحل قبل اليوم؟ وما بال حظنا التاعس يأبى إلا أن يذهب بما نالنا من ثروة طائلة بمصادفة غريبة.

وشكرت لسعيد ما قدمه الي من جميل ومعونة مرتين. فقال سعيد: سأحاول أن أقنع نفسي بصدق ما حدّثتني به، ولامني على إضاعة فرصة الاستفادة من المال. ثم قال لصاحبه: ” لقد عرفت الآن أن المال عاجز عن النهوض بهذا الرجل من بؤسه إلى الغنى مهما نبذل، وقد جربت مساعدته ولم أنجح. فجرّب أنت.” فقال سعد: كنت مسرفا في التفاؤل في البداية، وأنت الآن تسرف في اليأس، والاعتدال خير من الغلو. ولعل تجربتي يكتب لها النجاح.”

ثم قدم لي سعد قطعة صغيرة من الرصاص، وقال:” ليس لقطعة الرصاص هذه قيمة مادية، ولكن لعلها تنفعك ذات يوم، وتذكرك بما أبديت من صبر واحتمال لقضاء الله وقدره، وأنا واثق أن الله سيجزيك على صبرك، فينقلب عسرك يسرا. ولا تنس أن الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك.”

وضعت قطعة الرصاص في جيبي وشكرته. ثم عدت إلى عملي بإخلاص وصبر.

ولمّا عدت إلى البيت، وضعت قطعة الرصاص على الرف. وعند الفجر، دق الباب، فإذا بسلمى زوجة جارنا خالد الصياد تطلب قطعة رصاص ليثبّت بها زوجها شبكة الصيد. واعتذرت لإزعاجنا في ذلك الوقت المبكر، فالسوق لا تزال مغلقة، ولم تجد طلبها عند أي من الجيران. فهوّنت عليها ما تكابده من خجل، وأعطيتها قطعة الرصاص، ووعدتني بأن تهبني كل ما تخرجه الشبكة من البحر كثيراً كان أم قليلاً.

أسرع خالد إلى البحر، وصاد سمكة كبيرة جداً، ثم صاد كثيراً غيرها، وزيّن له الشيطان أن يستأثر بالسمكة الكبيرة وأعطاني سمكة مما اصطاده في المرات التالية. فشكرت له هديته. وقامت زوجتي تنظف السمكة، فعثرت في جوفها على جوهرة ثمينة حسبتها قطعة من الزجاج، وكانت تنوي أن تقذف بها خارج الدار. ولها عذرها. فهي لم تر شيئا من الأحجار الكريمة طول عمرها. ولو كانت زوجة الصياد وفت بوعدها لكانت الجوهرة من نصيبها ونصيب زوجها.

فرح أولادنا بالجوهرة، وصاروا يتقاذفونها كالكرة، وعلت أصواتهم. كل يريد أن تكون له. فلما استفسرت عن سبب تهافتهم على تلك الزجاجة قالوا لي: إنها تشع في الظلام ويمكن أن تضيء الحجرة.

وكان لنا جار من الصاغة تشرف حجرة نومه على دارنا، وقد أزعجه وزوجته ضجيج أولادي الذي حرمهما النوم. فجاءت الجارة تخبر زوجتي بما عانته وزوجها، فاعتذرت لها زوجتي، وقصت عليها قصة الزجاجة التي عثرت عليها في جوف السمكة.

أخبرتها زوجة الصياد أنها من زمن بعيد وهي تبحث عن زجاجة مثلها، وحاولت أن تشتريها منها فرفض الأولاد. وطلبت الجارة من زوجتي ألا تطلع أحداً على الزجاجة، ووعدتها بأن تشتريها بثمن يرضيها.

أخبرت زوجة الصائغ زوجها بما رأت، فطلب إليها أن تعود لشراء الجوهرة ورسم لها خطة: أوصاها أن تعرض علينا أول الأمر ثمنا قليلا حتى لا نفطن إلى قيمة الجوهرة، فإذا لم نقتنع ضاعفت الثمن، حتى نرضى. ولكن زوجتي تعلمت درسا من بيع الجرة القديمة لبائع الكحل دون إذن مني، فاعتذرت إلى حين استئذاني.

عند الظهر، جاءت الجارة وعرضت علي عشرين ديناراً ذهباً ثمنا للجوهرة. فسكتّ. فظنّت أن الثمن لم يعجبني، فعرضت خمسين ديناراً، ثم مائة دينار ولكني طلبت مائة ألف، وعرضت هي خمسين ألفاً. رفضت. فطلبت أن تستشير زوجها.

جاءني الزوج في المساء وطلب أن أطلعه على الجوهرة، وتفحّصها في روية، ولم يكتم فرحه برؤيتها، وأثنى عليها، وعرض مبلغ سبعين ألف دينار، ولكني أصررت على مائة ألف …

استمهلني الصائغ إلى اليوم التالي ريثما يجمع ثمنها، ودفع ألفي دينار عربونا. وفي الغد أحضر بقية الثمن.

كنت أتمنى أن أهتدي إلى قصر سعد لأشكره، ولأشكر لسعيد أيضا ما بذله لي من مال. وكان فرح زوجتي لا يقل عن فرحي.

طلبت زوجتي أن أشتري لها ملابس وحلي. فقلت لها: ” الأفضل أن نحتفظ برأس المال فلا نقصر في وضع أساس البناء والبدء بإنشاء ما يدر علينا الربح من العمل المثمر الناجح. ولا تنسي أن المال معرّض للنفاد إن لم نحسن تدبيره، وسأضع نصب عيني الحكمة القائلة: من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه.”

أحضرت عمالا لصنع أنواع مختلفة من الحبال، وعمالا آخرين لأعمال أخرى، فاتسعت تجارتي، وصار الجميع يستمد بضاعته مني، فزاد دخلي، فاشتريت أرضا فسيحة أنشأت فيها مخزنا كبيرا وبنيت بالقرب منه قصراً فاخراً وحوله حديقة غنّاء.

كنت أتذكر سعيدا وسعدا على الدوام. وقد اشتاقا هما إلى معرفة الجديد من أخباري، فبحثا عني في الحي حيث كنت أقطن، فلما علما أني في بغداد أسرعا إلي. وكان سعيد يعتقد أن دنانيره الأربعمائة هي سبب سعادتي وغناي، وقال لسعد: لقد حاول بدر الدين أن يكذب علينا وحسب أننا صدّقناه في قصتيه عن ضياع المال الذي أعطيته له.”

فقال سعد: ألا يمكن أن تكون قطعة الرصاص مصدر الثروة؟ لماذا تسقط الحظ من حسابك؟

طرقا باب القصر، فأدخلهما البواب حجرة الاستقبال، وفرحت بلقائهما، ولم أدر كيف أثني عليهما جزاء ما أسديا إلي من فضل.

شكرتهما لمحاولتهما رفعي من قعر الفقر إلى ذروة الغنى. وذكرتهما بحكمة طالما تمثّل بها أبي وهي: إذا أراد الله أمراً هيأ له أسبابه.”

وطلب سعيد إليّ أن أخبره لماذا ضللته مرتين، ولماذا حرصت على كتمان سري.. فردّ عليه سعد أن يستمع إلى ما سأخبرهما به.

فقلت: إني أعلم أن حديثي غريب، وأن ما في قصتي من الأعاجيب التي لا تخطر بالبال جديرة أن تشكّك سامعها لأول وهلة، فإذا فكّر فيها، أدرك صدق ما سمع!” وقصصت عليهما قصتي كلها ولم أغفل شيئا مما وقع لي.

فقال سعيد والدهشة مستولية عليه:”إن قصة سمكة جارك والجوهرة… تذكرنا بقصة عمامتك وجرّتك …” ثم قال: أنت تؤمن أن قصتك فاسدة وباطلة. وما جئت إلا لأهنئك بما صرت إليه من عظيم الثراء.” وحاول أن يتعجّل سعدا بالانصراف.

دعوتهما إلى بيتي الجديد في الريف، فقبلا الضيافة. وهناك أطلعتهما على حجرات البيت وما فيها من نفائس وتحف وآثار. فكررا التهاني… وكررت القول بأنهما مصدر الثروة وبعد العشاء صدحت الموسيقى وسعدنا معا كأننا أصدقاء.

وفي اليوم التالي، تنقلنا بين الحدائق والمروج، ثم وصلنا إلى القصر، وجلسنا في الحديقة في حجرة صغيرة مفتّحة الجوانب. وجاء اثنان من أولادي إلى القصر، وأبصرا عشاً كبيراً في رأس شجرة عالية، فأمرا أحد الخدم أن يأتي بالعش الذي في أعلاها.

وأدهشهما أن العش مؤلف من عمامة. وكانت دهشتنا كبيرة… إذ كان العش يتألف من عمامتي التي خطفها البازي. وفتحتها فوجدت فيها الدنانير وعددها مائة وتسعون دينارا.

فقال سعد لسعيد: ” لقد عشت طوال عمرك تؤمن بسلطان المال، فهل أدركت الآن أن المال والعقل لا يصنعان الأعاجيب إلا إذا صاحبهما التوفيق؟”

تغدّينا واسترحنا. وبعد الظهر ركبنا ثلاثة من الخيل عائدين إلى بغداد. ونسي السائس أن يعد الغداء لجيادنا. فحاول شراء شيء من الشعير للخيل. وبحث عنه في الأحياء المجاورة، واشترى جرة من الفخار مملوءة شعيرا. ولكنه بعد أن أفرغ كل ما فيها من شعير، فوجئ بأن الجرة لا تزال ثقيلة.

رأى السائس في داخل الجرة صرة من الكتان مثبتة في قاعها، وقدمها إلي. فلم أكد أصدق عيني، ولم أدر أحالم أنا أم يقظان؟ وقلت: ” لقد أعدّ لي الحظ السعيد في عالم الحقيقة ما لا يكاد يحصل مثله في عالم الخيال. فالحمد لله أن هيأ لكما فرصة لا نظير لها ليطلعكما على الحقيقة قبل أن تبرحا الدار حتى لا يبقى لديكما أدنى شك في صدق ما أقول.” وفككت خيوط الكتان وعددت ما تحويه الصرة من الدنانير فإذا هي مائة وتسعون دينارا.

قال سعيد لصاحبه : ” الآن آمنت بكل ما قلته لي، وأدركت أن المال ليس وحده صانع الأعاجيب، وأن الحظ قبل المال هو الجدير بأن يطلق عليه صانع الأعاجيب.”

رجوت سعيداً أن يتفضل مشكوراً بقبول دنانيره بعد أن ردها الله إليه، فأبى أن يسترد هديته.

وقضينا ليلة هانئة. وفي صباح اليوم التالي ودّعني الصديقان بعد أن توثقت بيننا أواصر الصداقة والمحبة.

ولا أزال أزورهما أعترافا بالجميل.

وهنا قال الخليفة: “ما أجدرك بشكر الله على ما وهبك من حظ سعيد. صحيح أن للحظ أثراً كبيراً في تقرير مصائر الناس، ولكن لا تنس أن العقل أكبر المغانم، وأعظم المواهب، وأن من أوتي العقل أوتي خيرا كثيرا. وبالعقل يخدمك المال، وبه يتيسر لك الحظ المنشود، وتتم لك الآمال.” وأضاف: “إن قصتك المملوءة بالأعاجيب يضيف إليها حظك السعيد أعجوبة أخرى. إن تلك الجوهرة التي بدلت عيشك من الشقاء إلى الهناء قد ساقها القدر إلي، وجعلها من نصيبي. فقد باعها إلي جارك الصائغ بضعف ما أعطاك من ثمن. ويسرني أن تدعو صاحبيك غدا إلى قصري ليسمعا نهاية القصة.

وقد أمرت أن تكتب قصتك مفصّلة الوقائع كما حدّثتني بها لتوضع مع الجوهرة في خزانة النفائس. فكلتاهما مثال نادر الشبه لا يجود بمثله الزمان” . 

قصتنا للحلوين: صانع الأعاجيب